السيد محمد بيرم الخامس التونسي
43
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
--> وروى الحديث أيضا البخاري عن عبد اللّه بن عباس ولفظه : أردف النبي الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلا وضيئا ، فوقف النبي صلى اللّه عليه وسلم بالناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ، فالتفت النبي صلى اللّه عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها . قال الحافظ ابن حجر في شرحه 11 / 10 : قال ابن بطال : في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة ، ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع ، قال : ويؤيده أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يحوّل وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها فخشي الفتنة عليه ، قال : وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن . وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي الخثعمية بالاستتار لما صرف وجه الفضل وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا لإجماعهم على أن المرأة تبدي وجهها في الصلاة ولو رآه الغرباء ، وأن قوله عز وجل : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ النور : 30 ] على الوجوب في غير الوجه قلت : وفي استدلاله بقصة الخثعمية لما ادعاه نظر لأنها كانت محرمة اه . وهنا مسألة : تعقب الحافظ بن حجر لكلام ابن بطال مرفوع لأنه كان يمكنها أن تجمع بين المصلحتين مصلحة الإحرام ومصلحة تغطية الوجه . بأن تجافي الساتر بشيء يمنع من مس وجهها كما جاء ذلك عن أمهات المؤمنين في سفرهن للحج أنهن كن إذا حاذين الركب سدلن على وجوههن فإذا جاوزن رفعن الساتر ، كما رواه أبو داود برقم ( 1833 ) . وابن أبي شيبة في المصنف 3 / 284 وغيرهما . فلو كان سكوته صلى اللّه عليه وسلم عن أمر الخثعمية بتغطية وجهها لأجل إحرامها لأمرها بسدل الساتر على وجهها مع مجافاته حتى لا يلتصق بالوجه ، لكنه لم يأمرها ، ولما لم يأمر المرأة الخثعمية بتغطية وجهها في ذلك الجمع الكبير ، علم من ذلك عدم وجوبه ولو كان واجبا لأمرها بذلك . فتبين بما ذكرنا أن دعوى بعض أن سكوت النبي صلى اللّه عليه وسلم على كشف الخثعمية وجهها كان لأجل الإحرام دعوى فاسدة لا عبرة بها . فسكوته صلى اللّه عليه وسلم دليل ظاهر على أن وجه المرأة من غير أمهات المؤمنين يجوز كشفه في الطرق ونحوها . لأن هذه الخثعمية كانت عند الرمي وذلك الموضع يكثر فيه اجتماع الحجاج حتى إنه يحصل كثيرا التلاصق بين الرجال والنساء من شدة الزحمة بلا تعمد . ووقع في رواية الطبري في حديث علي : وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر ، فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه وقال في آخره : « رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان » . وفي هذا الحديث دلالة على رجحان جواز كشف المرأة وجهها مع خوف الفتنة ، وهذا ما قاله شارح مختصر خليل ، محمد عليش المالكي في كتاب الصلاة ، ومحل الدليل في الحديث قوله : « ورأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان » . ومقابله ما ذكره بعض الشافعية من المتأخرين كالشيخ زكريا الأنصاري ، والرملي ، وهذه الرواية التي عزاها الحافظ للطبري صحيحة أو حسنة عنده لأنه التزم في المقدمة أن ما يورده من الأحاديث مما هو شرح لرواية البخاري أو زيادة عليها فهو صحيح أو حسن . وقال صاحب المبسوط الحنفي 10 / 152 « ثم لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف أمن الفتنة في ذلك فكذلك وجهها وكفيها » اه . فالراجح عدم اشتراط أمن الفتنة لما في حديث الخثعمية السابق الذكر . فلا حجة في قول بعض المتأخرين ممن ليسوا من أهل الوجوه إنما هم نقلة أن ستر الوجه في هذا الزمن واجب على المرأة دفعا